أبو علي سينا
325
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
( 24 ) وهم وتنبيه [ في دفع ما قيل إن مصادر الافعال الإرادية ثلاثة ] ولعلك تقول إن أكثر الناس الغالب عليهم الجهل - أو طاعة الشهوة والغضب - فلم صار هذا الصنف منسوبا فيهم إلى أنه نادر فاسمع - أنه كما أن أحوال البدن في هيئة ثلاثة - حال البالغ في الجمال والصحة - وحال من ليس ببالغ فيهما - وحال القبيح والمسقام والسقيم - والأول والثاني - ينالان من السعادة العاجلة البدنية قسطا وافرا أو معتدلا - أو يسلمان - كذلك حال النفس في هيئاتها ثلاثة - حال البالغ في فضيلة العقل والخلق - وله الدرجة القصوى في السعادة الأخروية - وحال من ليس له ذلك لا سيما في المعقولات - إلا أن جهله ليس على الجهة المضارة في المعاد - وإن كان ليس له كثير ذخر من العلم - جسيم النفع في المعاد - إلا أنه في جملة أهل السلامة ونيل حظ ما من الخيرات الآجلة - وآخر كالمسقام والسقيم هو عرضة الأذى في الآخرة - وكل واحد من الطرفين نادر - والوسط فاش غالب - وإذا أضيف إليه الطرف الفاضل صار لأهل النجاة غلبة وافرة
--> من الشر فان الظلم والزنا والموت والجهل وغيرها شرور وليست بالام ، واما ان كثرة الآلام يقتضى غلبة الشر فقد مر أن الوجود الحقيقي وهو وجود الشئ في نفسه والوجود الإضافي وهو كونه سبب الوجود شئ آخر أكثر من العدم الإضافي الذي هو شر أي كونه سببا لعدم آخر . وأما أن الفلاسفة لا يخلصهم من هذه المضايق اى تصوير الشر ، وبيان قلته إلا بنفي تعليل الشر فقد بان ارتفاع تلك المضايق . ونحن نحرر هذه المسألة من الابتداء تلخيصا لها من الزوائد التي لا طائل تحتها فنقول : لما بين القضاء والقدر والفرق بينهما وبين العناية يريد ان يبين كيفية وقوع الشرور في قضائه . فان لسائل أن يسأل فيقول : في الوجود شرور كثيرة من الزلازل والصواعق والحيوانات المؤذية من السباع والهوام والقوى الشهوانية والغضبية التي يستلزم الشرور الكثيرة إلى غير ذلك . واللَّه تعالى خير محض وكذا العقول والنفوس السماوية . فكيف صدر عن الموجودات التي هي خيرات محضه موجودات هي شرور . وجواب هذا موقوف على تحقيق ماهية الخير والشر . فالخير هو الوجود من حيث إنه موثر ، والشر هو العدم من حيث إنه غير موثر . وكل وجود خير في نفسه وليس في الوجود شر أصلا ، نعم يطلق على الموجودات الشر باعتبار أنها تستتبع شرورا هي اعدام كمالات الغير . وكذا يطلق الخير على الموجودات باعتبار انها تستتبع خيرات أي يكون مصدرا لكمالات الخير . فذلك الموجود يكون خيرا وشرا بالإضافة والعرض . وهذا كالشمس فإنها سبب لنضج المركبات وللحرارات والأضواء وغير ذلك من الكمالات الا انها ربما تصدع بسبب التبخير . فالشمس يكون شرا بالإضافة إلى التصديع